2 فبراير 2014

صور رائعة: حيث يلتقي الماء العذب والماء المالح

إنها ظاهرة تحدث عنها القرآن الكريم لم تكن معروفة زمن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.. وهي ظاهرة البرزخ بين البحرين ....

دعونا نتأمل هذه الصور الملتقطة لمناطق في البحار والخلجان تتكرر فيها ظاهرة البرزخ بين الماء العذب والماء المالح، ونرى كيف أن الماء المالح يظهر بلون داكن بسبب كثافته العالية وبسبب الضغط الكبير الذي يشكله على الماء العذب.
 










والآن دعونا نتأمل قول الحق تبارك وتعالى عن هذه الظاهرة في زمن لم يكن أحد يعلم شيئاً عنها وبخاصة في الجزيرة العربية، يقول تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا) [الفرقان: 53]. إن حديث القرآن عن وجود برزخ أي جدار مائي أو ما يسميه العلماء جبهة مائية تتشكل بين الماءين العذب والمالح، هو دليل على أنه كتاب الله عز وجل.

صور تسبح الله .. أجمل سبع بحيرات في العالم


دائماً نحاول تأمل مخلوقات الله تعالى لنزداد يقيناً بهذا الخالق العظيم فالتفكر في خلق الله عبادة لا تقل أهمية عن بقية العبادات....

أحبتي في الله ... أحببتُ أن أنقل لكم بعض الصور التي تدعو المؤمن لتذكر قدرة الخالق عز وجل.. فالتفكر في المخلوقات يزيد المؤمن إيماناً بالله تعالى... دعونا نتأمل هذه الصور الرائعة لما قيل إنه من أجمل بحيرات العالم:
 












ونتذكر دائماً قوله تعالى في محكم التنزيل: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [لقمان: 11]...

صور تسبح الله .. أجمل سبع أنهار مع البرزخ المائي

 

ظاهرة البرزخ المائي التي حدثنا عنها القرآن أصبحت مألوفة وهناك مئات الصور التي تظهر هذا البرزخ..إنها صور تدعو لتسبيح الله....

قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا) [الفرقان: 53]. فهذه الآية الكريمة تتحدث عن ظاهرة عامة في عالم الأنهار والبحار .. وسوف نتأمل اليوم بعض الصور الرائعة لأنهار اختلط فيها ماء عذب مع ماء عكر يحوي رواسب وأملاح... وتشكل البرزخ المائي في مشهد بديع... لنتأمل ونسبح الخالق عز وجل..
 












ونتذكر آية عظيمة.. قال تعالى: (أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [النمل: 61].

انظر إلى أكبر وادي للنمل


انظر إلى أكبر وادي للنمل – بناء هندسي يحير العلماء 

 

 



شكك الملحدون بوجود وادي للنمل كما ورد في القرآن الكريم، ويشاء الله أن يتم اكتشاف أكبر وادي للنمل أثار دهشة العلماء.. دعونا نتابع ....


قال تعالى: (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) [النمل: 18]. هذه الآية تؤكد وقبل أكثر من 1400 سنة وجود وديان للنمل وذلك من خلال قوله تعالى (وَادِ النَّمْلِ)..

هناك أشياء كثيرة في القرآن الكريم لا نشعر بأهميتها إلا بعد أن يكتشف العلماء أسرارها. فطالما قرأنا سورة النمل وسمعنا قول النملة لسيدنا سليمان عليه السلام وتبسمه من قولها... ولكن الحقيقة هناك معجزة في هذه السورة الكريمة تستحق أن نتدبرها.

فالعبارة التي تلفت الانتباه هي قوله تعالى (وَادِ النَّمْلِ) وكلمة (مَسَاكِنَكُمْ) ونفهم من هذه الآية الكريمة أن النمل له وادٍ وداخل هذا الوادي يوجد مساكن خاصة بالنمل، أي بيوت وغرف.

والسؤال الذي نطرحه لأولئك الذين يشككون بالقرآن: هل كان هناك وديان للنمل منتشرة في الجزيرة العربية؟ وهل كان العرب يعرفون هذا الوادي أم أنه من نسج الخيال؟ المنطق يفرض أن نعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يمكنه أن يرى وادي النمل لأنه غير ظاهر للناس، أي أن النمل يبني مستعمراته تحت الأرض غالباً.

 

هل يوجد وادي للنمل كما ذكر القرآن؟ وماذا يوجد بداخله؟ هذا ما كشفه العلماء، لنتأمل هذه الهندسة الدقيقة للنمل وكيف يعجب العلماء من دقة التصميم الهندسي للمرات والغرف.

وأذكر أحد الملحدين عندما قال: إنه لا يوجد في الطبيعة شيء اسمه "وادي النمل" لأن النمل يبني مساكنه تحت الأرض أو فوقها وليس على شكل وادي. وكان يقول لو كان القرآن من عند الله إذاً أرونا هذا الوادي؟؟

وسبحان الله! يشاء الله تعالى أن تتحدث جريدة ديلي ميل البريطانية الشهيرة عن أضخم مدينة للنمل اكتشفت حتى الآن وهي على شكل وادي تحت الأرض!! ففي مقالة نشرتها الديلي ميل بتاريخ (2-2-2012) تتحدث عن اكتشاف العلماء لمدينة نمل ضخمة تحت الأرض تحتوي مساكن خاصة بالنمل وملايين الغرف بنيت بطريقة هندسية متقنة...

ويقول الباحث Bert Hölldobler  من جامعة Arizona State University لقد تم تصميم المساكن بحيث تؤمن التهوية اللازمة للنمل، وتم بناء الطرق بحيث تؤمن المسافات الأقصر بين الغرف كما تم بناء طرق سريعة لنقل الغذاء وطرق أخرى للتنقل!!

كما أن النمل يختار الأقوياء منه ليجندهم كجيش يدافع عن المستعمرة (النملة القوية تستطيع حمل 50 ضعف وزنها)، ويقوم النمل بتشغيل الأفراد وفق تخصصات دقيقة، كل حسب مهاراته، البعض يقوم بالتربية والاهتمام بالبيوض، البعض الآخر يقوم بالحراسة والتحذير من المخاطر المحتملة...

دعونا الآن نتأمل الصور التي شاهدها العلماء من داخل هذا الوادي:



هكذا يظهر وادي النمل لا يمكن أن نرى سوى فتحات صغيرة أو بوابات الدخول والخروج، ولكن ماذا يوجد تحت الأرض؟

 

إنه وادي ضخم جداً تبين بعد الحفر أنه أكبر مما يتصور العلماء، وفيه قمة النظام والدقة، يحوي المساكن والغرف والممرات السريعة وطرق لنقل المواد الغذائية وطرق أخرى للتنقل.. هناك شبكة متكاملة من أنظمة المرور.

 

النمل يبني الغرف على شكل حجرات شبه كروية كما نرى، ويجعل بينها ممرات ضيقة ولكنها تصل الغرف بطريقة متسلسلة يسهل التنقل فيما بينها.

 

يقول العلماء إن النمل يختار الطرق الأسرع بحيث أن الطريق يمر من عدة غرف في نفس الوقت وأكثر شيء يثير دهشة العلماء هو كيف ينسق النمل عملية البناء، فملايين النملات تقوم بالحفر، ولكن كيف تنسق هذه العمليات وكيف تتصل مع بعضها... إنها قدرة الله تعالى.

لقد صور العلماء وادي النمل أخيراً وتبين أنه مذهل في تصميمه وبناء غرفه، ولذلك وردت كلمة (مَسَاكِنَكُمْ) لتدل على وجود بيوت وغرف داخل هذا الوادي.. وهو ما رآه العلماء حديثاً... والسؤال: ألا يشهد هذا الوادي على أن القرآن كلام الله الحق، وأن كل ما جاء في كتاب الله تعالى هو الحق؟؟

لنشاهد فيديو يصور ما كشفه العلماء ودقة التصميم الهندسي لدى النمل. 
.

1 فبراير 2014

وأجب التحذير من أهل البدع



عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد (رواه البخاري ومسلم)
عن عبد الله ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال من رغب عن سنتي فليس مني (انفرد بإخراجه البخاري).
قال الاوزاعي اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم وقل بما قالوا وكف عما كفوا عنه واسلك سبيل سلفك الصالح فانه يسعك ما وسعهم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ضمن حديثه عمن يجوز ذكر ما فيهم من الشر من المعيّنين (( ومثل أئمة البدع ، من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة ، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة ، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين ، حتى قيل لأحمد بن حنبل رحمه الله : الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع ؟ فقال : إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه ، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل ، فبيّن أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من ___ الجهاد في سبيل الله ، إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين ، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين ، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب ، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعا ، وأما أولئك فيفسدون القلوب ابتداء )) مجموع الفتاوى ج 28 ص 231 .
وقال في موضع آخر (( وإذا كان مبتدعا يدعو إلى عقائد تخالف الكتاب والسنة أو يسلك طريقا يخالف الكتاب والسنة ، ويخاف أن يضل الرجلُ الناس بذلك بُيّن أمره للناس ليتقوا ضلاله وليعلموا حاله ، وهذا كله يجب أن يكون على وجه النصح وابتغاء وجه الله تعالى ، لا لهوى الشخص مع الإنسان : مثل أن تكون بينهما عداوة دنيوية ، أو تحاسد ، أو تباغض ، أو تنازع على الرئاسة ، فيتكلم بمساويه مظهرا للنصح ، وقصده في الباطن الغض من الشخص واستيفاؤه منه فهذا من عمل الشيطان )) مجموع الفتاوى ج 28 ص 221 .
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد في معرض ذكره للفوائد المستنبطة من غزوة تبوك (( ومنها جواز الطعن في الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن حمية أو ذباً عن الله ورسوله ، ومن هذا طعن أهل الحديث فيمن طعنوا فيه من الرواة ، ومن هذا طعن ورثة الأنبياء وأهل السنة في أهل الأهواء والبدع لله لا لحظوظهم وأغراضهم )) زاد المعاد ج 3 ص 18
وذكر الشاطبي رحمه الله في الاعتصام ضمن حديثه عن أحكام أهل البدع (( ... ذكرهم بما هم عليه ، وإشاعة بدعتهم كي يحذروا ، ولئلا يغتر بكلامهم ، كما جاء عن كثير من السلف ذلك )) الاعتصام ج 1 ص 176 .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

29 يناير 2014

لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد



    الكاتب : ابن قدامة المقدسي


الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن، جل عن الأشباه والأنداد، وتنزه عن الصاحبة والأولاد، ونفذ حكمه في جميع العباد، لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}، له الأسماء الحسنى والصفات العلى {الرحمن على العرش استوى له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى}، أحاط بكل شيء علما، وقهر كل مخلوق عزة وحكما، ووسع كل شيء رحمة وعلما {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما} موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه الكريم.

وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل، وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظا وترك التعرض لمعناه ونرد علمه إلى قائله ونجعل عهدته على ناقله اتباعا لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله سبحانه وتعالى {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا}، وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله}، فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم ثم حجبهم عما أملوه وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه {وما يعلم تأويله إلا الله}.

قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه - في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله ينزل الى سماء الدنيا و إن الله يرى في القيامة)) وما أشبه هذه الأحاديث -: (نؤمن بها ونصدق بها لا كيف ولا معنى ولا نرد شيئا منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق ولا نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}، ونقول كما قال ونصفه بما وصف به نفسه لا نتعدى ذلك و، لا يبلغه وصف الواصفين).

نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيت القرآن.

قال الإمام أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه: (آمنت بالله وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله).

وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف رضي الله عنهم كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله.

وقد أمرنا بالإقتفاء لآثارهم والإهتداء بمنارهم وحذرنا المحدثات وأخبرنا أنها من الضلالات فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)).

وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: (اتبعو ولا تبتدعوا فقد كفيتم).

وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه - كلاما معناه -: (قف حيث وقف القوم فإنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا، ولهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم حدث بعدهم فما أحدثه إلا من خالف هديهم ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم محسر وما دونهم مقصر، لقد قصر عنهم قوم فجفوا وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم).

وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي رضي الله عنه: (عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول).

وقال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي - لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها -: (هل علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعلموها؟) قال: لم يعلموها! قال: (فشيء لم يعلمه هؤلاء أعلمته أنت؟!) قال الرجل: فإني أقول قد علموها! قال: (أفوسعهم ان لا يتكلموا به ولا يدعو الناس إليه أم لم يسعهم؟) قال: بلى وسعهم! قال: (فشيء وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لا يسعك أنت!) فانقطع الرجل، فقال الخليفة - وكان حاضرا -: (لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم).

وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان والأئمة من بعدهم والراسخين في العلم من تلاوة آيات الصفات وقراءة أخبارها ولإمرارها كما جاءت فلا وسع الله عليه.

فمما جاء من آيات الصفات قول الله عز وجل: {ويبقى وجه ربك الرحمن}، وقوله سبحانه وتعالى: {بل يداه مبسوطتان}، وقوله تعالى - إخبارا عن عيسى عليه السلام أنه قال -: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك}، وقوله سبحانه: {وجاء ربك}، وقوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله}، وقوله تعالى: {رضي الله عنهم ورضوا عنه}، وقوله تعالى: {يحبهم ويحبونه}، وقوله تعالى في الكفار: {غضب الله عليهم}، وقوله تعالى: {اتبعوا ما أسخط الله}، وقوله تعالى: {كره الله انبعاثهم}.

ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة الى سماء الدنيا))، وقوله: ((يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة))، وقوله: ((يضحك الله الى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة)).

فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته، نؤمن به ولا نرده ولا نجحده ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}، وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه.

ومن ذلك قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى}، وقوله تعالى: {أأمنتم من في السماء}.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك وقال للجارية أين الله قالت في السماء قال أعتقها فإنها مؤمنة))، رواه مالك بن أنس ومسلم وغيرهما من الأئمة.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لحصين: ((كم إلها تعبد؟)) قال: سبعة ستة في الأرض وواحدا في السماء! قال: ((من لرغبتك ورهبتك؟)) قال: الذي في السماء، قال: ((فاترك الستة واعبد الذي في السماء وأنا أعلمك دعوتين))، فأسلم وعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول؛ "اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي".

وفيما نقل من علامات النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الكتب المتقدمة أنهم يسجدون بالأرض ويزعمون أن إلههم في السماء.

وروى أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن ما بين سماء الى سماء مسيرة كذا وكذا)) وذكر الخبر إلى قوله: ((وفوق ذلك العرش والله سبحانه فوق ذلك)).

فهذا وما أشبههه مما أجمع السلف رحمهم الله على نقله وقبوله ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله ولا تشبيهه ولا تمثيله.

سئل الإمام مالك بن أنس رحمه الله، فقيل يا أبا عبدالله {الرحمن على العرش استوى} كيف استوى؟ فقال: (الاستواء غير مجهول،والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) ثم أمر بالرجل فأخرج.

ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم يسمعه منه من شاء من خلقه، سمعه موسى عليه السلام منه من غير واسطة، وسمعه جبريل عليه السلام ومن أذن له من ملائكته ورسله.

وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه، ويأذن لهم فيزورونه.

قال الله تعالى {وكلم الله موسى تكليما}، وقال سبحانه: {‏يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي}، وقال سبحانه: {منهم من كلم الله}، وقال سبحانه:{وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب}، وقال سبحانه: {فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك}، وقال سبحانه: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله.

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء) روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وروى عبدالله بن أنيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرلا بهما، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب "أنا الملك أنا الديان")) رواه الأئمة واستشهد به البخاري.

وفي بعض الآثار أن موسى عليه السلام ليلة رأى النار فهالته ففزع منها فناداه ربه: يا موسى، فأجاب سريعا استئناسا بالصوت فقال: لبيك لبيك أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت؟، فقال: أنا فوقك وأمامك وعن يمينك وعن شمالك - فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى - قال: كذلك أنت يا إلهي، أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى.

ومن كلام الله سبحانه القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين وحبله المتين وصراطه المستقيم وتنزيل رب العالمين،، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين بلسان عربي مبين منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.

وهو سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، له أول وآخر وأجزاء وأبعاض، متلو بالألسنة محفوظ في الصدور مسموع بالآذان مكتوب في المصاحف، فيه محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخاص وعام وأمر ونهي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه {تنزيل من حكيم حميد فصلت}، وقوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}.

وهذا هو الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: {لن نؤمن بهذا القرآن}، وقال بعضهم: {إن هذا إلا قول البشر} فقال الله سبحانه: {سأصليه سقر}، وقال بعضهم: "هو شعر"، فقال الله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآنا لم يبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات وحروف وآيات لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد إنه شعر.

وقال عز وجل: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله} ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل.

وقال تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم.

وقال تعالى: {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم}، وقال تعالى: {إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون} بعد أن أقسم على ذلك.

وقال تعالى: {كهيعص}، {حم عسق} وافتتح تسعا وعشرين سورة بالحروف المقطعة.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة)) حديث صحيح.

وقال عليه الصلاة والسلام: ((إقرأوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم لا يجاوز تراقيهم يتعجلون أجره ولا يتأجلونه)).

وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: (إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه).

وقال علي رضي الله عنه: (من كفر بحرف منه فقد كفر به كله).

واتفق المسلمون على عد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه.

ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفا متفقا عليه أنه كافر وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف.

والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم ويزورونه ويكلمهم ويكلمونه، قال الله تعالى: {وجوه يوئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}، وقال تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}، فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضى وإلا لم يكن بينهما فرق.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته)) حديث صحيح متفق عليه، وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير.

ومن صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور، أراد ما العالم فاعلوه ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعا لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء بحكمته، قال الله تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}، وقال الله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}، وقال تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا} وقال تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها}، وقال تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا}.

وروى ابن عمر أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (ما الإيمان؟) قال: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره))، فقال جبريل: (صدقت). رواه مسلم.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره)).

ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم - الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر -: ((وقني شر ما قضيت)).

ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل، قال الله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}.

ونعلم أن الله سبحانه وتعالى ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك وأنه لم يجبر أحدا على معصية ولا اضطره الى ترك طاعة.

وقال الله تعالى {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}، وقال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم}، وقال تعالى: {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم}، فدل على أن للعبد فعلا وكسبا يجزى على حسنه بالثواب وعلى سيئه بالعقاب وهو واقع بقضاء الله وقدره.

والإيمان قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، قال الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}، فجعل عبادة الله تعالى وإخلاص القلب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كله من الدين.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق))، فجعل القول والعمل من الإيمان.

وقال تعالى: {فزادتهم إيمانا}، وقال: {ليزدادوا إيمانا}.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة أو خردلة أو ذرة من الإيمان فجعله متفاضلا)).

ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه، مثل حديث الإسراء والمعراج وكان يقظة لا مناما فإن قريشا أنكرته وأكبرته ولم تنكر المنامات.

ومن ذلك أن ملك الموت لما جاء إلى موسى عليه السلام ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فرد عليه.

ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل.

وعذاب القبر ونعيمه حق، وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه وأمر به في كل صلاة.

وفتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق.

والبعث بعد الموت حق، وذلك حين ينفخ إسرافيل عليه السلام في الصور {فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون}، ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهما، فيقفون في موقف القيامة حتى يشفع فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ويحاسبهم الله تبارك وتعالى، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير صحف الأعمال إلى الأيمان والشمائل {فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا}.

والميزان له كفتان ولسان توزن به الأعمال {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون}.

ولنبينا محمد صلى الله عليه وسلم حوض في القيامة ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأباريقه عدد نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا.

والصراط حق يجوزه الأبرار ويزل عنه الفجار.

ويشفع نبينا صلى الله عليه وسلم فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحما وحمما فيدخلون الجنة بشفاعته.

ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات، قال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون}، ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين.

والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، فالجنة مأوى أوليائه، والنار عقاب لأعدائه، وأهل الجنة فيها مخلدون {إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون}.

ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت.

ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وسيد المرسلين، لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته، ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته، ولا يدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته، صاحب لواء الحمد، والمقام المحمود، والحوض المورود، وهو إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم، أمته خير الأمم، وأصحابه خير أصحاب الأنبياء عليهم السلام.

وأفضل أمته أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين ثم علي المرتضى رضي الله عنهم أجمعين، لما روى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: (كنا نقول والنبي صلى الله عليه وسلم حي أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، فيبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكره).

وصحت الرواية عن علي رضي الله عنه أنه قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ولو شئت لسميت الثالث).

وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر))، وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لفضله وسابقته وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلاة على جميع الصحابة رضي الله عنهم وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة.

ثم من بعده عمر رضي الله عنه لفضله وعهد أبي بكر إليه.

ثم عثمان رضي الله عنه لتقديم أهل الشورى له.

ثم علي رضي الله عنه لفضله وإجماع أهل عصره عليه.

وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)).

وقال صلى الله عليه وسلم: ((الخلافة من بعدي ثلاثون سنة))، فكان آخرها خلافة علي رضي الله عنه.

ونشهد للعشرة بالجنة كما شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وسعد في الجنة وسعيد في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة)).

وكل من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم شهدنا له بها، كقوله: ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة))، وقوله لثابت بن قيس إنه من أهل الجنة.

ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من جزم له الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنا نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء.

ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ولا نخرجه عن الإسلام بعمل.

ونرى الحج والجهاد ماضيا، مع طاعة كل إمام برا كان أو فاجرا، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة، قال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال لا إله إلا الله ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله عز وجل حتى يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار)) رواه أبوداود.

ومن السنة؛ تولي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبتهم وذكر محاسنهم والترحم عليهم والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم، قال الله تعالى: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا}، وقال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لاتسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)).

ومن السنة؛ الترضي عن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء، أفضلهم خديجة بنت خويلد وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه زوج النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم.

ومعاوية خال المؤمنين وكاتب وحي الله أحد خلفاء المسلمين رضي الله عنهم.

ومن السنة؛ السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به أو غلبهم بسيفه حتى صار الخليفة وسمي امير المؤمنين وجبت طاعته وحرمت مخالفته والخروج عليه وشق عصا المسلمين.

ومن السنة؛ هجران أهل البدع ومباينتهم وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة والإصغاء إلى كلامهم، كل محدثة في الدين بدعة.

وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع - كالرافضة والجهمية والخوارج والقدرية والمرجئة والمعتزلة والكرام والكلابية ونظائرهم - فهذه فرق الضلال وطوائف البدع أعاذنا الله منها.

وأما بالنسبة إلى إمام في فروع الدين كالطوائف الأربع فليس بمذموم، فإن الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة.

نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة ويحيينا على الإسلام والسنة ويجعلنا ممن يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحياة ويحشرنا في زمرته بعد الممات برحمته وفضله آمين.


وهذا آخر المعتقد
والحمد لله وحده
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

إعتقاد أئمة الحديث



    الكاتب : أبو بكر الإسماعيلي


قال ابن قدامة ، أخبرنا الشريف أبو العباس مسعود بن عبد الواحد بن مطر الهاشمي ، قال انبأ أبو الحسن على بن محمد الجرجاني ، أنبأ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي ، أنبأ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي ، قال :

[ اصول الاعتقاد عند أهل الحديث ]
اعلموا رحمنا الله وإياكم أن مذهب أهل الحديث أهل السنة والجماعة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وقبول ما نطق به كتاب الله تعالى ، وصحت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا معدل عن ما ورد به ولا سبيل إلى رده ، إذ كانوا مأمورين باتباع الكتاب والسنة ، مضمونا لهم الهدى فيهما ، مشهودا لهم بأن نبيهم صلى الله عليه وسلم يهدي إلى صراط مستقيم ، محذرين في مخالفته الفتنة والعذاب الأليم .

[ القول في الاسماء والصفات ]
ويعتقدون أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى وموصوف بصفاته التي سمى ووصف بها نفسه ووصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم ، خلق آدم بيده ، ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ، بلا اعتقاد كيف ، وأنه عز وجل استوى على العرش ، بلا كيف ، فإن الله تعالى انتهى من ذلك إلى أنه استوى على العرش ولم يذكر كيف كان استواؤه .

[ ذكر بعض خصائص الربوبية ]
وأنه مالك خلقه وأنشأهم لا عن حاجة إلى ما خلق ولا معنى دعاه إلى أن خلقهم ، لكنه فعال لما يشاء ويحكم كما يريد ، لا يسأل عما يفعل ، والخلق مسؤولون عما يفعلون .

[ إثبات أسماء الله الحسنى وصفاته العلا ]
وأنه مدعو بأسمائه ، موصوف بصفاته التي سمى ووصف بها نفسه ، وسماه ووصفه بها نبيه عليه الصلاة والسلام ، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، ولا يوصف بنقص أو عيب أو آفة ، فإنه عز وجل تعالى عن ذلك .

[ إثبات صفة اليدين ]
وخلق آدم عليه السلام بيده ، ويداه مبسوطتان ينفق كيف شاء ، بلا اعتقاد كيف يداه ، إذ لم ينطق كتاب الله تعالى فيه بكيف .
ولا يعتقد فيه الأعضاء ، والجوارح ، ولا الطول والعرض ، والغلظ ، والدقة ، ونحو هذا مما يكون مثله في الخلق ، وأنه ليس كمثله شيء تبارك وجه ربنا ذو الجلال والإكرام .
ولا يقولون إن اسماء الله عز وجل كما تقوله المعتزلةوالخوارج وطوائف من أهل الأهواء مخلوقة .

[ قولهم في صفة الوجه والسمع والبصر والعلم والقدرة والكلام ]
ويثبتون أن له وجها ، وسمعا ، وبصرا ، وعلما ، وقدرة ، وقوة ، وكلاما ، لا على ما يقوله أهل الزيغ من المعتزلة وغيرهم ، ولكن كما قال تعالى : { ويبقى وجه ربك } وقال : { أنزله بعلمه } وقال : { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } وقال : { فلله العزة جميعا } وقال : { والسماء بنيناها بأيد } وقال : { أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة } وقال : { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } .
فهو تعالى ذو العلم ، والقوة ، والقدرة ، والسمع ، والبصر ، والكلام ، كما قال تعالى : {ولتصنع على عيني } { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } وقال : { حتى يسمع كلام الله } وقال : { وكلم موسى تكليما } وقال : { أنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } .

[ إثبات المشيئة ]
ويقولون ما يقوله المسلمون بأسرهم : ( ما شاء الله كان ، وما لا يشاء لا يكون ) ، كما قال تعالى : { وما يشاؤون إلا أن يشاء الله } .

[ علم الله ]
ويقولون لا سبيل لأحد أن يخرج عن علم الله ولا أن يغلب فعله وإرادته مشيئة الله ولا أن يبدل علم الله ، فإنه العالم لا يجهل ولا يسهو ، والقادر لا يغلب .

[ القرآن كلام الله ]
ويقولون : القرآن كلام الله غير مخلوق ، وإنما كيفما يصرف بقراءة القارئ له ، وبلفظه ، ومحفوظا في الصدور ، متلواَ بالألسن ، مكتوباَ في المصاحف ، غير مخلوق ، ومن قال بخلق اللفظ بالقرآن يريد به القرآن ، فهو قد قال بخلق القرآن .

[ أفعال العباد مخلوقة لله ]
ويقولون إنه لا خالق على الحقيقة إلا الله عز وجل ، وأن أكساب العباد كلها مخلوقة لله ، وأن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، لا حجة لمن أضله الله عز وجل ، ولا عذر، كما قاله الله عز وجل : { قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين } وقال : { كما بدأكم تعودون فريقا حق عليهم الضلالة } وقال : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيراَ من الجن والإنس } وقال : { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها } ومعنى "نبرأها" أي نخلقها وبلا خلاف في اللغة ، وقال مخبراَ عن أهل الجنة : { الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } وقال : { أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاَ } وقال : { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك } .

[ الخير والشر بقضاء الله ]
ويقولون إن الخير والشر والحلو والمر ، بقضاء من الله عز وجل ، أمضاه وقدره ، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله ، وإنهم فقراء إلى الله عز وجل ، لا غنى لهم عنه في كل وقت .

[ النزول إلى السماء الدنيا ]
وأنه عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بلا اعتقاد كيف فيه .

[ رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة ]
ويعتقدون جواز الرؤية من العباد المتقين لله عز وجل في القيامة ، دون الدنيا ، ووجوبها لمن جعل الله ذلك ثواباَ له في الآخرة ، كما قال : { وجوه يومئذِ ناضرة إلى ربها ناظرة } وقال في الكفار : { كلا إنهم عن ربهم يومئذِ لمحجوبون } فلو كان المؤمنون كلهم والكافرون كلهم لا يرونه ، كانوا جميعا عنه محجوبين ، وذلك من غير اعتقاد التجسيم في الله عز وجل ولا التحديد له ، ولكن يرونه جل وعز بأعينهم على ما يشاء هو بلا كيف .

[ حقيقة الإيمان ]
ويقولون إن الإيمان قول وعمل ومعرفة ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، من كثرت طاعته أزيد إيماناَ ممن هو دونه في الطاعة .

[ قولهم في مرتكب الكبيرة ]
ويقولون إن أحداَ من أهل التوحيد ومن يصلي إلى قبلة المسلمين ، لو ارتكب ذنباَ ، أو ذنوباَ كثيرة ، صغائر ، أو كبائر ، مع الإقامة على التوحيد لله والإقرار بما التزمه وقبله الله ، فإنه لا يكفر به ، ويرجون له المغفرة ، قال تعالى : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } .

[ حكم تارك الصلاة عمداَ ]
واختلفوا في متعمدي ترك الصلاة المفروضة حتى يذهب وقتها من غير عذر ، فكفره جماعة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة ) وقوله : ( من ترك الصلاة فقد كفر ) و : ( من ترك الصلاة فقد برأت منه ذمة الله ) وتأول جماعة منهم . . . بذلك من تركها جاحداَ لها ، كما قال يوسف عليه السلام : { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله } ترك جحود الكفر .

[ أقوال أهل العلم في الفرق بين الإسلام والإيمان ]
وقال منهم : إن الإيمان قول وعمل ، والإسلام فعل ما فرض على الإنسان أن يفعله ، إذا ذكر كل اسم مضموماَ إلى الآخر ، فقيل : المؤمنون والمسلمون جميعا مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد بالآخر ، وإن ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمهم .
وكثير منهم قالوا : الإسلام والإيمان واحد ، قال عز وجل : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } فلو أن الإيمان غيره لم يقبل منه ، وقال : { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين }.
ومنهم من ذهب إلى أن الإسلام مختص بالاستسلام لله والخضوع له والانقياد لحكمه فيما هو مؤمن به ، كما قال : { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } وقال : { يمنون عليك أن اسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان } وهذا أيضاَ دليل لمن قال هما واحد .

[ الشفاعة والحوض والمعاد والحساب ]
ويقولون إن الله يخرج من النار قوما من أهل التوحيد بشفاعة الشافعين ، وأن الشفاعة حق ، والحوض حق ، والمعاد حق ، والحساب حق .

[ ترك الشهادة لأحد من الموحدين بالجنة أو النار ]
ولا يقطعون على أحد من أهل الملة أنه من أهل الجنة أو من أهل النار ، لأن علم ذلك يغيب عنهم ، لا يدرون على ماذا الموت ؟ أعلى الإسلام ؟ أم على الكفر ؟ ولكن يقولون إن من مات على الإسلام مجتنبا للكبائر والأهواء والآثام ، فهو من أهل الجنة ، لقوله تعالى : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ولم يذكر عنهم ذنبا { اولئك خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن } ومن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بعينه وصح له ذلك عنه ، فإنهم يشهدون له بذلك ، اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتصديقا لقوله .

[ عذاب القبر ]
ويقولون إن عذاب القبر حق ، يعذب الله من استحقه إن شاء ، وإن شاء عفى عنه ، لقوله تعالى : { النار يعرضون عليها غدواّ وعشياّ ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } فأثبت لهم ما بقيت الدنيا عذابا بالغدو والعشي دون ما بينهما ، حتى إذا قامت القيامة عذبوا أشد العذاب ، بلا تخفيف عنهم كما كان في الدنيا ، وقال : { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاَ } يعني قبل فناء الدنيا ، لقوله بعد ذلك : { ونحشره يوم القيامة أعمى } بين أن المعيشة الضنك قبل يوم القيامة ، وفي معاينتنا اليهود والنصارى والمشركين في العيش الرغد والرفاهية في المعيشة ما يعلم به انه لم يرد به ضيق الرزق في الحياة الدنيا لوجود مشركين في سعة من أرزاقهم ، وإنما أراد به بعد الموت ، قبل الحشر .

[ سؤال منكر ونكير ]
ويؤمنون بمسألة منكر ونكير على ما ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع قول الله تعالى : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء } وما ورد تفسيره عن النبي .

[ ترك الخصومات والمراء في الدين ]
ويرون ترك الخصومات والمراء في القرآن وغيره ، لقول الله عز وجل : { وما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا } يعني يجادل فيها تكذيبا بها والله اعلم .

[ خلافة الخلفاء الراشدين ]
ويثبتون خلافة أبي بكر رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، باختيار الصحابة إياه ، ثم خلافة عمر بعد أبي بكر رضي الله عنه باستخلاف أبي بكر إياه ، ثم خلافة عثمان رضي الله عنه باجتماع أهل الشورى وسائر المسلمين عليه عن امر عمر ، ثم خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن بيعة من بايع من البدريين عمّار بن ياسر ، وسهل بن حنيف ، ومن تبعهما من سائر الصحابة مع سابقه وفضله .

[ المفاضلة بين الصحابة ]
ويقولون بتفضيل الصحابة رضي الله عنهم ، لقوله : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } وقوله : { والسابقون الاولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم } .
ومن أثبت الله رضاه عنه لم يكن منهم بعد ذلك ما يوجب سخط الله عز وجل ، ولم يوجب ذلك للتابعين إلا بشرط الإحسان ، فمن كان من التابعين من بعدهم يتنقصهم لم يات بالإحسان ، فلا مدخل له في ذلك .

[ قولهم فيمن يبغض الصحابة ]
ومن غاظه مكانهم من الله فهو مخوف عليه ما لا شيء أعظم منه ، لقوله عز وجل : { محمد رسول الله والذين معه } إلى قوله { ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار } فأخبر أنه جعلهم غيظا للكافرين .
وقالوا بخلافتهم ، لقول الله عز وجل : { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات} فخاطب بقوله { منكم } من ولد الآن وهو مع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه ، فقال بعد ذلك : { وليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا } فمكن الله بأبي بكر وعمر وعثمان الدين ، وعد الله آمنين يغزون ولا يغزون ، ويخيفون العدو ولا يخيفهم العدو .
وقال عز وجل للذين تخلفوا عن نبيه في الغزوة التي ندبهم الله عز وجل بقوله : { فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستئذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود اول مرة فاقعدوا مع الخالفين } فلما لقوا النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه الإذن في الخروج للعدو فلم يأذن لهم ، أنزل الله عز وجل : { سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلك قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا } وقال لهم : { قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما } والذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياء خوطبوا بذلك لما تخلفوا عنه ، وبقي منهم في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ما أوجب لهم بطاعتهم إياهم الأجر وبترك طاعتهم العذاب الاليم ، إيذانا من الله عز وجل بخلافتهم رضي الله عنهم ولا جعل في قلوبنا غلا لأحد منهم ، فإذا اثبتت خلافة واحد منهم انتظم منها خلافة الأربعة .

[ الجمعة خلف كل إمام مسلم برا كان أو فاجرا ]
ويرون الصلاة -الجمعة وغيرها- خلف كل إمام مسلم برا كان أو فاجرا ، فإن الله عز وجل فرض الجمعة وأمر بإتيانها فرضا مطلقا ، مع علمه تعالى بان القائمين يكون منهم الفاجر والفاسق ، ولم يستثن وقتا دون وقت ، ولا أمرا بالنداء للجمعة دون أمر .

[ الجهاد مع الائمة وإن كانوا جورة ]
ويرون جهاد الكفار معهم ، وإن كانوا جورة ، ويرون الدعاء لهم بالصلاح والعطف إلى العدل ، ولا يرون الخروج بالسيف عليهم ، ولا قتال الفتنة ، ويرون قتال الفئة الباغية مع الإمام العادل ، إذا كان ووجد على شرطهم في ذلك .

[ دار الإسلام ]
ويرون الدار دار الإسلام لا دار الكفر كما رأته المعتزلة ، مادام النداء بالصلاة والإقامة ظاهرين وأهلها ممكنين منها آمنين .

[ أعمال العباد لا توجب لهم الجنة إلا بفضل الله ]
ويرون أن أحدا لا تخلص له الجنة ، وإن عمل أي عمل ، إلا بفضل الله ورحمته التي يخص بهما من يشاء ، فإن عمله للخير وتناوله الطاعات إنما عن فضل حجة ولا عذر ، كما قال الله : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء } ، { ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } وقال : { يختص برحمته من يشاء } .

[ الرازق الله ]
وإن الله تعالى يرزق كل حي مخلوق رزق الغذاء الذي به قوام الحياة ، وهو يضمنه الله لمن أبقاه من خلقه ، وهو الذي رزقه من حلال أو من حرام ، وكذلك رزق الزينة الفاضل عما يحيا به .

[ الله خالق الشياطين ووساوسهم ]
ويؤمنون بأن الله تعالى خلق الشياطين توسوس للآدميين ويخدعونهم ويغرونهم ، وأن الشيطان يتخبط الإنسان .

[ السحر والسحرة ]
وأن في الدنيا سحرا وسحرة ، وان السحر واستعماله كفر من فاعله ، معتقدا له، نافعا ضارا بغير إذن الله .

[ مجانبة البدعة ]
ويرون مجانبة البدعة والآثام ، والفخر ، والتكبر ، والعجب ، والخيانة ، والدغل ، والسعاية ، ويرون كف الأذى وترك الغيبة إلا لمن أظهر بدعة وهو يدعو إليها ، فالقول فيه ليس بغيبة عندهم .

[ تعلم العلم ]
ويرون تعلم العلم وطلبه من مظانه ، والجد في تعلم القرآن وعلومه وتفسيره ، وسماع سنن الرسول صلى الله عليه وسلم وجمعها والتفقه فيها ، وطلب آثار الصحابة .

[ الكف عن الصحابة ]
والكف عن الوقيعة فيهم ، وتأول القبيح عليهم ، ويكلونهم فيما جرى بينهم على التأويل إلى الله عزّ وجل .

[ لزوم الجماعة ]
مع لزوم الجماعة ، والتعفف في المأكل والمشرب والملبس ، والسعي في عمل الخير ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والإعراض عن الجاهلين حتى يعلموهم ويبينوا لهم الحق ، ثم الإنكار والعقوبة من بعد البيان وإقامة العذر بينهم ومنهم .

[ وجوب لزوم مذهب أهل الحديث الفرقة الناجية ]
هذا أصل الدين والمذهب ، اعتقاد أئمة اهل الحديث ، الذين لم تشنهم بدعة ، ولم تلبسهم فتنة ، ولم يخفوا إلى مكروه في دين ، ولا تفرقوا عنه .
واعلموا ان الله تعالى أوجب في كتابه محبته ومغفرته لمتبعي رسوله صلى الله عليه وسلم في كتابه ، وجعلهم الفرقة الناجية والجماعة المتبعة ، فقال عزّ وجلّ لمن ادعى أنه يحب الله عز وجل : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم } .

نفعنا الله وإياكم بالعلم ، وعصمنا بالتقوى من الزيغ والضلالة بمنه ورحمته .

صريح السنة





   الكاتب : ابن جرير الطبري


بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

أخبرنا الشيخ أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن الحسن الأسد، أنبأنا جدي أبو القاسم الحسين بن الحسن بن محمد الأسدي، أنبأنا أبو القاسم علي ابن أبي العلاء، أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن أبي نصر، أنبأنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن يحيى الدينوري، قال: قُرئ على أبي جعفر محمد بن جرير الطبري وأنا أسمع:


* * *

الحمد لله مفلج الحق وناصره، ومدحض الباطل وماحقه، الذي اختار الإسلام لنفسه دينا، فأمر به وأحاطه وتوكل بحفظه وضمن إظهاره على الدين كله ولو كره المشركون، ثم اصطفى من خلقه رسلا ابتعثهم بالدعاء إليه وأمرهم بالقيام به والصبر على ما نابهم فيه من جهلة خلقه، وامتحنهم من المحن بصنوف، وابتلاهم من البلاء بضروب، تكريما لهم غير تذليل، وتشريفا غير تخسير؛ {ورفع بعضهم فوق بعض درجات}، فكان أرفعهم عنده درجة أجدهم إمضاء مع شدة المحن وأقربهم إليه زلفا وأحسنهم إنفاذا لما أرسله به مع عظيم البلية.

يقول الله عز وجل في محكم كتابه لنبيه: {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل}، وقال له ولأتباعه رضوان الله عليهم: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب}، وقال: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جآءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا * إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا}، وقال تعالى ذكره: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}.

فلم يخل جل ثناؤه أحدا من مكرمي رسله ومقربي أوليائه من محنة في عاجلة، دون آجله ليستوجب بصبره عليها من ربه من الكرامة ما أعد له ومن المنزلة لديه ما كتبه له، ثم جعل تعالى جل وعلا ذكره علماء كل أمة نبي ابتعثه منهم وراثه من بعده، والقوام بالدين بعد اخترامه إليه، وقبضه الذابين عن عراه وأسبابه، والحامين عن أعلامه وشرائعه، والناصبين دونه لمن بغاه وحاده، الدافعين عنه كيد الشيطان وضلاله، فضلهم بشرف العلم، وكرمهم بوقار الحلم، وجعلهم للدين وأهله أعلاما للإسلام، وللهدى منارا، وللخلق قادة، وللعباد أئمة وسادة، إليهم مقرعهم عند الحاجة، وبهم استغاثتهم عند النائبة، لا يثنيهم عند التعطف والتحنن عليهم سوء ما هم من أنفسهم يولون.

ثم جعل جل ثناؤه وذكره علماء أمة نبينا من أفضل علماء الأمم التي خلت قبلها فيما كان قسم لهم من المنازل والدرجات والمراتب والكرامات، فشمل واجزل لهم فيه حظا ونصيبا، مع ابتلاء الله أفاضلها بمنافعها، وامتحانه خيارها بشرارها، ورفعائها بسفلها وضعائها، فلم يكن يثنيهم ما كانوا به منهم يبتلون، ولا كان يصدهم ما في الله منهم يلقون عن النصيحة لله في عباده وبلاده أيام حياتهم، بل كانوا بعلمهم على جهلهم يعودون، وبحلمهم لسفههم يتعمدون، وبفضلهم على نقصهم يأخذون، بل كان لا يرضى كبير منهم ما أزلفه لنفسه عند الله من فضل ذلك أيام حياته، وادخر منه من كريم الذخائر لديه قبل مماته، حتى تبقى لمن بعده آثارا على الأيام باقية، ولهم إلى الرشاد هادية، جزاهم الله عن أمة نبيهم أفضل ما جزا عالم أمة عنهم، وحباهم من الثواب أجزل ثواب، وجعلنا ممن قسم له من صالح ما قسم لهم، وألحقنا بمنازلهم، وكرمنا بحبهم ومعرفة حقوقهم، وأعاذنا والمسلمين جميعا من مرديات الأهواء ومضلات الآراء، إنه سميع الدعاء.

ثم أنه لم يزل من بعد مضي رسول الله لسبيله حوادث في كل دهر تحدث، ونوازل في كل عصر تنزل، يفزع فيها الجاهل إلى العالم، فيكشف فيها العالم سدف الظلام عن الجاهل بالعلم الذي آتاه الله وفضله به على غيره - إما من أثر وإما من نظر -

فكان من قديم الحادثة بعد رسول الله في الحوادث التي تنازعت فيه أمته واختلافها:


  • في أفضلهم بعده وأحقهم بالإمامة وأولاهم بالخلافة.

  • ثم القول في أعمال العباد طاعتها ومعاصيها؛ وهل هي بقضاء الله وقدره أم الأمر في ذلك المبهم مفوض.

  • ثم القول في الإيمان؛ هل هو قول وعمل؟ أم هو قول بغير عمل؟ وهل يزيد وينقص أم لا زيادة له ولا نقصان.

  • ثم القول في القرآن؛ هل هو مخلوق أو غير مخلوق.

  • ثم رؤية المؤمنين ربهم تعالى يوم القيامة.

  • ثم القول في ألفاظهم بالقرآن.

    ثم حدث في دهرنا هذا حماقات خاض فيها أهل الجهل والغباء ونوكي الأمة الرعاع، يتعب إحصاؤها، ويمل تعدادها، فيها القول في اسم الشيء أهو هو أم هو غيره.

    ونحن نبين الصواب لدينا من القول في ذلك إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق.

    * * *

  • فأول ما نبدأ بالقول فيه من ذلك عندنا؛ القرآن كلام الله وتنزيله، إذ كان من معاني توحيده:

    فالصواب من القول في ذلك عندنا؛ أنه كلام الله غير مخلوق، كيف كتب، وحيث تلي، وفي أي موضع قرئ، في السماء وجد وفي الأرض حيث حفظ، في اللوح المحفوظ كان مكتوبا، وفي ألواح صبيان الكتاتيب مرسوما، في حجر نقش، أو في ورق خط، أو في القلب حفظ، وبلسان لفظ.

    فمن قال غير ذلك، أو ادعى أن قرآنا في الأرض أو في السماء سوى القرآن الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا، أو اعتقد غير ذلك بقلبه أو أضمره في نفسه أو قاله بلسانه دائنا به، فهو بالله كافر، حلال الدم، بريء من الله والله منه بريء، بقول الله عز وجل: {بل هو قرآن مجيد، في لوح محفوظ}.

    وقال - وقوله الحق - عز وجل: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله}، فأخبر جل ثناؤه أنه في اللوح المحفوظ مكتوب، وأنه من لسان محمد مسموع، وهو قرآن واحد من محمد مسموع في اللوح المحفوظ مكتوب، وكذلك هو في الصدور محفوظ وبألسن الشيوخ والشباب متلو.

    قال أبو جعفر:

    فمن روى عنا أو حكى عنا أو تقول علينا؛ فأدعى أنا قلنا غير ذلك فعليه لعنة الله وغضبه ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين، لا قبل الله له صرفا ولا عدلا، وهتك ستره وفضحه على رؤوس الأشهاد؛ {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار}.

    حدثنا موسى بن سهل الرملي حدثنا موسى بن داود حدثنا معبد أبو عبد الرحمن عن معاوية بن عمار الدهني قال: قلت لجعفر بن محمد رضي الله عنه: "إنهم يسألون عن القرآن مخلوق أو خالق؟" فقال: (إنه ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله عز وجل).

    وحدثني محمد بن منصور الأملي حدثنا الحكم بن محمد الأملي أبو مروان حدثنا ابن عيينة، قال: سمعت عمرو بن دينار يقول: (أدركت مشايخنا منذ سبعين سنة يقولون؛ القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود).

  • وأما الصواب من القول في رؤية المؤمنين ربهم عز وجل يوم القيامة، وهو ديننا الذي ندين الله به، وأدركنا عليه أهل السنة والجماعة:

    فهو؛ أن أهل الجنة يرونه على ما صحت به الأخبار عن رسول الله.

    حدثنا أبو السائب سلم بن جناده حدثنا ابن فضيل وحدثنا تميم بن المنتصر ومجاهد بن موسى قال تميم أنبأنا يزيد وقال مجاهد حدثنا يزيد بن هارون وحدثنا ابن الصباح حدثنا سفيان ومروان بن معاوية ويزيد بن هارون جميعا عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبى حازم عن جرير ابن عبد الله قال: "كنا جلوسا عند رسول الله فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: (إنكم راءون ربكم عز وجل كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا)، ثم تلى رسول الله {فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب}"، ولفظ الحديث لحديث مجاهد.

    قال يزيد: (من كذب بهذا الحديث فهو بريء من الله ورسوله)، حلف غير مرة، وأقول أنا؛ صدق رسول الله وصدق يزيد وقال الحق.

  • وأما الصواب من القول لدينا فيما اختلف فيه من أفعال العباد وحسناتهم وسيئاتهم:

    فإن جميع ذلك من عند الله تعالى، والله سبحانه مقدره ومدبره، لا يكون شيء إلا بإذنه، ولا يحدث شيء إلا بمشيئته، له الخلق والأمر كما يريد.

    حدثني زياد بن يحيى الحساني وعبيدالله بن محمد الفريابي قالا حدثنا عبد الله بن ميمون حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه) - اللفظ لحديث أبي الخطاب زياد بن عبد الله -

    حدثني يعقوب بن إبراهيم الجوزجاني حدثنا ابن أبي حازم حدثني أبي عن ابن عمر قال: (القدرية مجوس هذه الأمة، فإن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم).

  • وأما الحق في اختلافهم في أفضل أصحاب رسول الله:

    فما جاء عنه وتتابع على القول به السلف.

    وذلك ما حدثني موسى بن سهل الرملي وأحمد بن منصور بن سيار الرمادي قالا حدثنا عبد الله بن صالح حدثني نافع بن يزيد عن زهرة بن معبد عن سعيد ابن المسيب عن جابر بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله جل وعلا اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضوان الله عليهم، فجعلهم خير أصحابي، وفي أصحابي كلهم خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار من أمتي أربعة قرون من بعد أصحابي القرن الأول والثاني والثالث تترى والقرن الرابع فردا).

    وكذلك نقول.

    فأفضل أصحابه الصديق أبو بكر رضي الله عنه، ثم الفاروق بعده عمر، ثم ذو النورين عثمان بن عفان، ثم أمير المؤمنين وإمام المتقين علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين.

  • وأما أولى الأقوال بالصواب عندنا فيما اختلفوا من أولى الصحابة بالإمامة:

    فبقول من قال بما حدثني به محمد بن عمارة الأسدي حدثنا عبيدالله بن موسى حدثنا حشرج ابن نباته حدثني سعيد بن جهمان عن سفينة مولى رسول الله: (الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم من بعد ذلك ملك)، قال لي سفينة: (امسك خلافة أبي بكر سنتان، وخلافة عمر عشر، وخلافة عثمان اثنتا عشر، وخلافة علي ست)، قال: (فنظرت فوجدتها ثلاثون سنة).

  • وأما القول في الإيمان؛ هل هو قول وعمل؟ وهل يزيد وينقص أم لا زيادة فيه ولا نقصان؟

    فإن الصواب فيه: قول من قال: هو قول وعمل، يزيد وينقص، وبه جاء الخبر عن جماعة من أصحاب رسول الله وعليه مضى أهل الدين والفضل.

    حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال: "سألنا أبا عبد الله أحمد ابن حنبل رحمه الله عن الإيمان في معنى الزيادة والنقصان، فقال: حدثنا الحسن بن موسى الأشيبب حدثنا حماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي عن أبيه عن جده عمير بن حبيب قال: (الإيمان يزيد وينقص)، فقيل وما زيادته وما نقصانه؟ فقال: (إذا ذكرنا الله فحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه)".

    حدثنا علي بن سهل الرملي حدثنا الوليد بن مسلم قال: (سمعت الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز رحمهم الله؛ ينكرون قول من يقول إن الإيمان إقرار بلا عمل، ويقولون لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان).

  • وأما القول في ألفاظ العباد بالقرآن:

    فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي مضى ولا تابعي قضى، إلا عمن في قوله الغناء والشفاء رحمة الله عليه ورضوانه، وفي اتباعه الرشد والهدى، ومن يقوم قوله لدينا مقام قول الأئمة الأولى؛ أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه.

    فإن أبا إسماعيل الترمذي حدثني قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: (اللفظية جهمية لقول الله جل اسمه: {حتى يسمع كلام الله}، فممن يسمع؟!).

    ثم سمعت جماعة من أصحابنا لا أحفظ اسماءهم يذكرون عنه أنه كان يقول: (من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال هو غير مخلوق فهو مبتدع).

    ولا قول في ذلك عندنا يجوز أن نقوله إذ لم يكن لنا فيه إمام نأتم به سواه، وفيه الكفاية والمنع، وهو الإمام المتبع رحمة الله عليه ورضوانه.

  • وأما القول في الاسم أهو المسمى أم غير المسمى؟

    فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع، ولا قول من إمام فيستمع، فالخوض فيه شين والصمت عنه زين.

    وحسب امرء من العلم به والقول فيه أن ينتهي إلى قول الله عز وجل ثناؤه الصادق، وهو قوله: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى}، وقوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}.

    ويعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى؛ {له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى}، فمن تجاوز ذلك فقد خاب وخسر وضل وهلك.

    * * *

    فليبلغ الشاهد منكم أيها الناس من بعد منا فنأى، أو قرب فدنا، أن الذي ندين الله به في الأشياء التي ذكرناها؛ ما بيناه لكم على وصفنا.

    فمن روى عنا خلاف ذلك، أو أضاف إلينا سواه، أو نحلنا في ذلك قولا غيره فهو كاذب مفتر متخرص معتد يبوء بسخط الله وعليه غضب الله ولعنته في الدارين، وحق على الله أن يورده المورد الذي ورد رسول الله ضرباءه وأن يحله المحل الذي أخبر نبي الله أن الله يحل أمثاله، على ما أخبر.

    قال أبو جعفر:

    وذلك ما حدثنا أبو كريب حدثنا المحاربي عن إسماعيل ابن عياش الحمصي عن ثعلبة بن مسلم الخثعمي عن أيوب بن بشير العجلي عن شفي ابن ماتع الأصبحي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى يسعون بين الحميم والجحيم يدعون بالويل والثبور، يقول أهل النار بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء قد آذونا على ما بنا من الأذى؟ فرجل مغلق عليه تابوت من جمر، ورجل يجر أمعائه، ورجل يسيل فوه قيحا ودما، ورجل يأكل لحمه، فيقول لصاحب التابوت: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد مات وفي عنقه أموال الناس، ويقال للذي يجر أمعائه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد كان لا يبالي إن أصاب البول منه لا يغسله، ويقال للذي يسيل فوه قيحا ودما: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد كان ينظر إلى كل كلمة بدعة قبيحة فيستلذها كما يستلذ الرفث، ويقال للذي يأكل لحمه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول إن الأبعد كان يمشي بالنميمة ويأكل لحوم الناس).

    حدثنا خلاد بن أسلم عن النضر بن شميل بن حرشة عن موسى بن عقبة عن عمر بن عبد الله الأنصاري عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ذكر امرء بما ليس فيه ليعيبه؛ حبسه الله في جهنم حتى يأتي بنفاذ ما قال فيه).

    حدثنا محمد بن عوف الطائي ومحمد بن مسلم الرازي قالا حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج حدثنا صفوان بن عمرو قال حدثني راشد ابن سعد وعبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون صدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم).

    حدثنا علي بن سهل الرملي حدثنا الوليد بن مسلم عن عثمان بن أبي العاتكة عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيع الغرقد فوقف على قبرين ثريين، فقال: (أدفنتم هنا فلانا وفلانة؟)، أو قال فلانا وفلانا؟ فقالوا: نعم يا رسول الله! فقال: (قد أقعد فلان الآن يضرب)، ثم قال: (والذي نفسي بيده لقد ضرب ضربة ما بقي منه عضو إلا انقطع ولقد تطاير قبره نارا، ولقد صرخ صرخة سمعتها الخلائق إلا الثقلين من الجن والإنس، ولولا تمريج قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع)، ثم قال: (الآن يضرب هذا الآن يضرب هذا)، ثم قال: (والذي نفسي بيده لقد ضرب ضربة ما بقي منه عظم إلا انقطع ولقد تطايرها قبره نارا، ولقد صرخ صرخة سمعها الخلائق إلا الثقلين من الجن والإنس ولولا تمريج في قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع)، قالوا: يا رسول الله ما ذنبهما؟ قال: (أما فلان فإنه كان لا يستبرئ من البول، وأما فلان أو فلانة فإنه كان يأكل لحوم الناس).

    حدثنا محمد بن يزيد الرفاعي حدثنا ابن فضيل ح وحدثنا محمد بن العلاء حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر بن عياش جميعا عن الأعمش عن سعيد ابن عبد الله عن أبي برزة الأسلمي قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه؛ لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم تتبع الله عورته ومن تتبع عورته يفضحه في بيته).

    آخر الكتاب
    والحمد لله وحده

    وكان الفراغ منه في يوم الأربعاء ثاني عشر من شهر المحرم الحرام، افتتاح سنة أربعة وثمانين وألف.

    وصلى الله على نبينا محمد
    وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين
    آمين... آمين... آمين
  • أصول السنة



        الكاتب : أحمد بن حنبل


    حدثنا الشيخ أبو عبدالله يحيى بن أبي الحسن بن البنا ، قال : أخبرنا والدي أبو علي الحسن بن احمد بن البنا ، قال أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبدالله بن بشران المعدل ، قال : أخبرنا عثمان بن أحمد بن السماك ، قال : حدثنا أبو محمد الحسن بن عبدالوهاب أبو العنبرقراءة عليه من كتابه في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وتسعين ومائتين ، قال : حدثنا أبو جعفر محمد بن سليمان المنقري البصري – بتنيس - قال : حدثني عبدوس بن مالك العطار ، قال : سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل – رضي الله عنه – يقول :

    أصول السنة عندنا :

    التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والإقتداء بهم ، وترك البدع ، وكل بدعة فهي ضلالة ، وترك الخصومات ، والجلوس مع أصحاب الأهواء ، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين .

    والسنة عندنا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والسنة تفسر القرآن ، وهي دلائل القرآن ، وليس في السنة قياس ، ولا تضرب لها الأمثال ، ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء ، إنما هو الاتباع وترك الهوى .

    ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقبلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها :

    الإيمان بالقدر خيره وشره ، والتصديق بالأحاديث فيه ، والإيمان بها ، لا يُقال لِـمَ ولا كيف ، إنما هو التصديق والإيمان بها ، ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كُـفِيَ ذلك وأُحكِمَ له ، فعليه الإيمان به والتسليم له ، مثل حديث " الصادق المصدوق " ومثل ما كان مثله في القدر ، ومثل أحاديث الرؤية كلها ، وإن نأت عن الأسماع واستوحش منها المستمع ، وإنما عليه الإيمان بها ، وأن لا يرد منها حرفاً واحدا ً ، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات .

    وأن لا يخاصم أحداً ولا يناظره ، ولا يتعلم الجدال ، فإن الكلام في القدر والرؤية والقرآن وغيرها من السنن مكروه ومنهي عنه ، لا يكون صاحبه و إن أصاب بكلامه السنة من أهل السنة حتى يدع الجدال ويسلم ويؤمن بالآثار .

    والقرآن كلام الله وليس بمخلوق ، ولا يضعف أن يقول : ليس بمخلوق ، فإن كلام الله ليس ببائن منه ، وليس منه شيء مخلوق ، وإياك ومناظرة من أحدث فيه ، ومن قال باللفظ وغيره ، ومن وقف فيه ، فقال : لا أدري مخلوق أو ليس بمخلوق ، وإنما هو كلام الله فهذا صاحب بدعة مثل من قال : ( هو مخلوق ) ، وإنما هو كلام الله وليس بمخلوق .

    والإيمان بالرؤية يوم القيامة ، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الصحاح ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه ، فإنه مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، صحيح ، رواه قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ؛ ورواه الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ؛ ورواه علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والكلام فيه بدعة ، ولكن نؤمن كما جاء على ظاهره ، ولا نناظر فيه أحداً .

    والإيمان بالميزان يوم القيامه كما جاء ، يوزن العبد يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة ، وتوزن أعمال العباد كما جاء في الأثر ، والإيمان به ، والتصديق به ، والإعراض عن من ردّ ذلك ، وتركُ مجادلته .

    وأن الله يكلم العباد يوم القيامه ، ليس بينهم وبينه ترجمان ، والتصديق به .

    والإيمان بالحوض ، وأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حوضا يوم القيامة تَـرِدُ عليه أمته ، عرضه مثل طوله ، مسيرة شهر ، آنيته كعدد نجوم السماء على ما صحت به الأخبار من غير وجه .

    والإيمان بعذاب القبر ، وأن هذه الأمة تُـفـتَـن في قبورها ، وتُسأل عن الإيمان والإسلام ، ومن ربه ؟ ومن نبيه ؟

    ويأتيه منكر ونكير ، كيف شاء الله عزوجل ، وكيف أراد ، والايمان به والتصديق به .

    والإيمان بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ، وبقوم يخرجون من النار بعد ما احترقوا وصاروا فحما ، فيؤمر بهم إلى نهر على باب الجنة كما جاء في الأثر ، كيف شاء الله ، و كما شاء ، إنما هو الإيمان به ، والتصديق به .

    والإيمان أن المسيح الدجال خارج ، مكتوب بين عينيه كافر ، والأحاديث التي جاءت فيه ، والإيمان بأن ذلك كائن ، وأن عيسى ابن مريم عليه السلام ينزل فيقتله بباب لُـدٍّ .

    والإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص ، كما جاء في الخبر : (( أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا )) .

    ومن ترك الصلاة فقد كفر ، وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة ، من تركها فهو كافر ، وقد أحل الله قتله .

    وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق ، ثم عمر بن الخطاب ، ثم عثمان بن عفان ، نُـقـدّم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يختلفوا في ذلك ، ثم بعد هؤلاء الثلاثة أصحاب الشورى الخمسة : علي بن أبي طالب ، وطلحة ، والزبير ، وعبدالرحمن بن عوف ، وسعد ، كلهم يصلح للخلافة ، وكلهم إمام ، ونذهب في ذلك إلى حديث ابن عمر : ( كنا نعُـدُّ ورسول الله حي وأصحابه متوافرون : أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم نسكت ) ... ثم من بعد أصحاب الشورى أهل بدر من المهاجرين ، ثم أهل بدر من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قدر الهجرة والسابقة ، أولاً فأولا ، ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، القرن الذي بعث فيهم .

    وكل من صحبه سنة أو شهرا أو يوما أو ساعة ، أو رآه فهو من أصحابه ، له من الصحبة على قدر ما صحبه ، وكانت سابقته معه ، وسمع منه ، ونظر إليه نظرة ، فأدناهم     الكاتب : أحمد بن حنبل صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه ، ولو لقوا الله بجميع الأعمال ، كان هؤلاء الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم ورأوه وسمعوا منه ، ومن رآه بعينه وآمن به ولو ساعة ، أفضل لصحبتهم من التابعين ، ولو عملوا كل أعمال الخير .

    والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البَـرّ والفاجر ، ومن ولي الخلافة ، واجتمع الناس عليه ، ورضوا به ، ومن عليهم بالسيف حتى صار خليفة ، وسمي أميرالمؤمنين .

    والغزو ماض مع الأمير إلى يوم القيامه البَـرّ والفاجر لا يُـترَك .

    وقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة ماضٍ ، ليس لأحد أن يطعن عليهم ، ولا ينازعهم ، ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة ، من دفعها إليهم أجزأت عنه ، بَـرّاً كان أو فاجراً .

    وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولاه ، جائزة باقية تامة ركعتين ، من أعادهما فهو مبتدع تارك للآثار ، مخالف للسنة ، ليس له من فضل الجمعة شيء ؛ إذا لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا برهم وفاجرهم ، فالسنة : أن يصلي معهم ركعتين ، ويدين بأنها تامة ، لا يكن في صدرك من ذلك شك .

    ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين – وقد كانوا اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة ، بأي وجه كان ، بالرضا أو بالغلبة - فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين ، وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية .

    ولا يحل قتال السلطان ، ولا الخروج عليه لأحد من الناس ، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق .

    وقتال اللصوص والخوارج جائز ، إذا عرضوا للرجل في نفسه وماله فله أن يقاتل عن نفسه وماله ، ويدفع عنها بكل ما يقدر ، وليس له إذا فارقوه أو تركوه أن يطلبهم ، ولا يتبع آثارهم ، ليس لأحد إلا الإمام أو ولاة المسلمين ، إنما له أن يدفع عن نفسه في مقامه ذلك ، وينوي بجهده أن لا يقتل أحداً ، فإن مات على يديه في دفعه عن نفسه في المعركة فأبعد الله المقتول ، وإن قُـتِـل هذا في تلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله ، رجوت له الشهادة ، كما جاء في الأحاديث وجميع الآثار في هذا إنما أُمِر بقتاله ، ولم يُـؤمَـر بقتله ولا اتباعه ، ولا يجهز عليه إن صُرِع أو كان جريحا ، وإن أخذه أسيرا فليس له أن يقتله ، ولا يقيم عليه الحد ، ولكن يرفع أمره إلى من ولاه الله ، فيحكم فيه .

    ولا نشهد على أحد من أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار ، نرجو للصالح ونخاف عليه ، ونخاف على المسيء المذنب ، ونرجو له رحمة الله .

    ومن لقى الله بذنب يجب له به النار تائبا غير مُصـرٍّ عليه ، فإن الله يتوب عليه ، ويقبل التوبة عن عباده ، ويعفو عن السيئات ، ومن لقيه وقد أقيم عليه حد ذلك الذنب في الدنيا ، فهو كفارته ، كما جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن لَـقِيـَه مُصِـرّا غير تائب من الذنوب التي استوجب بها العقوبة فأمره إلى الله ، إن شاء عذّبه ، وإن شاء غفر له ، ومن لَـقِـيَـه وهو كافر عذّبه ولم يغفر له .

    والرجم حق على من زنا وقد أُحصن ، إذا اعترف أو قامت عليه بيّنة ، فقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة الراشدون .

    ومن انتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو أبغضه بحدث كان منه ، أو ذكر مساوئه ، كان مبتدعا ، حتى يترحم عليهم جميعا ، ويكون قلبه لهم سليما .

    والنفاق هو : الكفر ، أن يكفر بالله ويعبد غيره ، ويُـظهِـر الإسلام في العلانية ، مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ثلاث من كن فيه فهو منافق )) هذا على التغليظ ، نرويها كما جاءت ، ولا نفسرها .

    وقوله صلى الله عليه وسلم : (( لا ترجعوا بعدي كفارا ضُلالا يضرب بعضكم رقاب بعض )) ، ومثل : (( إذا التقى المسلمان بسيفيهما ، فالقاتل والمقتول في النار )) ، ومثل : (( سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر )) ، ومثل : (( من قال لأخيه يا كافر ، فقد باء بها أحدهما )) ، ومثل : (( كُـفـرٌ بالله تَـبَـرؤٌ من نَـسَـبٍ وإن دَقّ )) ، ونحو هذه الأحاديث مما قد صح وحُـفِـظ ، فإنا نُـسَـلم له ، وإن لم نعلم تفسيرها ، ولا نتكلم فيها ، ولا نجادل فيها ، ولا نفسّر هذه الأحاديث إلا مثل ما جاءت ، لا نردها إلا بأحق منها .

    والجنة والنار مخلوقتان ، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( دخلتُ الجنة فرأيت قصراً ... )) ، و (( رأيت الكوثر )) ، و (( واطلعت في الجنة ، فرأيت أكثر أهلها... )) كذا ، و (( واطلعت في النار ، فرأيت ... )) كذا وكذا ، فمن زعم أنهما لم تُخلقا ، فهو مكذّب بالقرآن وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار.

    ومن مات من أهل القبلة مُـوَحِـداً يُـصلّى عليه ، ويُستغفر له ، ولا يُحجب عنه الاستغفار ، ولا تترك الصلاة عليه لذنب أذنبه صغيرا كان أو كبيرا ، أَمــرُهُ إلى الله تعالى .